سورة محمد، الآية ٢٢
Surah Muhammad 47:22
التفسير
تفسير الآيات من ٢٢ إلى ٢٥ مجتمعة
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ فَلَعَلَّكُمْ، ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْقُرْآنِ وَفَارَقْتُمْ أَحْكَامَهُ، ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ تَعُودُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْبَغْيِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَتَرْجِعُوا إِلَى الْفُرْقَةِ بَعْدَ مَا جَمَعَكُمُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ.
﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ قَرَأَ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التَّاءِ خَفِيفٌ، والآخرون بالتشديد و"تقطعوا" مِنَ التَّقْطِيعِ، عَلَى التَّكْثِيرِ، لِأَجْلِ الْأَرْحَامِ، قَالَ قَتَادَةُ: كَيْفَ رَأَيْتُمُ الْقَوْمَ حِينَ تَوَلَّوْا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ أَلَمْ يَسْفِكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَقَطَّعُوا الْأَرْحَامَ، وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مِنَ الْوِلَايَةِ. وَقَالَ الْمُسَيِّبُ بْنُ شَرِيكٍ وَالْفَرَّاءُ: يَقُولُ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنَّ وُلِّيتُمْ أَمْرَ النَّاسِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِالظُّلْمِ، نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمِّيَّةَ وَبَنِي هَاشِمٍ [[انظر: البحر المحيط: ٨ / ٨٢.]] ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ "تُوُلِّيتُمْ" بِضَمِّ التَّاءِ وَالْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ، يَقُولُ: إِنْ وَلَّيْتُكُمْ وُلَاةً جَائِرَةً خَرَجْتُمْ مَعَهُمْ فِي الْفِتْنَةِ وَعَاوَنْتُمُوهُمْ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ عَنِ الْحَقِّ.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ فَلَا تَفْهَمُ مَوَاعِظَ الْقُرْآنِ وَأَحْكَامَهُ، وَ"أَمْ" بِمَعْنَى "بَلْ".
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّرِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنْبَأَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" فَقَالَ شَابٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ: بَلْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ يَفْتَحُهَا أَوْ يُفَرِّجُهَا، فَمَا زَالَ الشَّابُّ فِي نَفْسِ عُمَرَ حَتَّى وَلِيَ فَاسْتَعَانَ بِهِ. [[أخرجه الطبري: ٢٦ / ٥٧.]]
﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ رَجَعُوا كُفَّارًا، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ الكتاب كفروا ١٢٨/أبِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ مَا عَرَفُوهُ وَوَجَدُوا نَعْتَهُ فِي كِتَابِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ [[انظر: القرطبي: ١٦ / ٢٤٩.]] .
﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ زَيَّنَ لَهُمُ الْقَبِيحَ، ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِضَمِّ الْأَلْفِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ بِإِرْسَالِ [[في الأصل "بسكون" وصححت في الهامش (بإرسال) .]] الْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَتُرْوَى هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَنْ يَعْقُوبَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: "وَأَمْلَى لَهُمْ" بِفَتْحِ الْأَلِفِ، أَيْ: وَأَمْلَى الشَّيْطَانُ لَهُمْ، مَدَّ لَهُمْ فِي الْأَمَلِ.
تفسير البغوي (معالم التنزيل)، الحسين بن مسعود البغوي