ما أقسى أن يخرجَ المرءُ من داره، وقد عقدَ العزمَ على أمرٍ، وأضمرَ في نفسِه غايةً، وخلَّفَ وراءَه قلوبًا معلَّقةً بعودتِه، ثم تنقضي دونَه الآجالُ، وتطويه المنايا قبل أن يبلغَ المرامَ، أو يستوفيَ من الدنيا ما كان يرجوه منها!
كم من امرئٍ كان في مُقتبلِ العمر، ومُستحكَمِ العزم، ومَوْفورِ النشاط، يسعى في مناكبِ الأرض، ويكدحُ في طلبِ المعالي، ويحسبُ أنَّ للغدِ في صحيفتِه متَّسعًا؛ فما أمهلته صروفُ الدهر، ولا أقالته نوائبُ الزمان. مضى، وبقيتْ آثارُ خطاه في الديار، وخلَّفَ في الصدورِ لوعةً لا يطفئُ أوارَها تعاقبُ الأعوام.
ولمّا كان الموتُ حقًّا لا مِراءَ فيه، وكان انقطاعُ العملِ من أوجعِ ما يخلّفُه الرحيل، رأيتُ أن أُنشئَ هذا الموقعَ وقفًا عن أرواحِ مَن اختطفتهم المنيّةُ على دُروبِ الحياة، وعن كلِّ مَن خرجَ من داره فلم يَؤُبْ إلى أهلِه؛ رجاءَ أن يكونَ لهم بعد انقطاعِ السعيِ امتدادٌ في البذل، وبعد غيابِ الأجسادِ بقاءٌ في ميادينِ النفع.
وما المرءُ في هذه الدارِ إلا عابرٌ، وما تُوزَنُ المآثرُ بطولِ الأعمار، ولكن بما تتركُه من خيرٍ في حياةِ الأحياء. وإنَّ من جميلِ الوفاءِ أن نصلَ ما انقطعَ من حكاياتِ الراحلين بعملٍ صالح، وأن نجعلَ من ذِكرِهم باعثًا على البرِّ والإحسان.
اللهمَّ ارحمْ مَن وارَتْهم الثرى، وغابوا عن العيونِ ولم يغيبوا عن القلوب، واجعلْ هذا الوقفَ صدقةً جاريةً عن أرواحِهم، وأثرًا طيّبًا يمتدُّ نفعُه ما امتدَّ الزمان، وتقبَّلْه بقبولٍ حسن.
فإن غيَّبَ الموتُ أصحابَ المآثر، فلا أقلَّ من أن تُحييَ المآثرُ ذِكراهم.