سورة هود، الآية ١٠
Surah Hud 11:10
التفسير
تفسير الآيات من ٩ إلى ١١ مجتمعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ الْإِنْسَانُ اسْمٌ شَائِعٌ [[في ع: جامع.]] لِلْجِنْسِ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ هُنَا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَفِيهِ نَزَلَتْ. وَقِيلَ: فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ. "رَحْمَةً" أَيْ نِعْمَةً.
(ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ) أي سلبناه إياها.
(إِنَّهُ لَيَؤُسٌ) أَيْ يَائِسٌ مِنَ الرَّحْمَةِ.
(كَفُورٌ) لِلنِّعَمِ جَاحِدٌ لها، قال ابن الأعرابي. النحاس: "لَيَؤُسٌ" مِنْ يَئِسَ يَيْأَسُ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ يَئِسَ يَيْئِسُ على فعل يفعل، ونظير حسب يحسب ونعم ينعم، ويأس ييئس [[كذا في الأصول. ولعل الصواب: يبس ييبس: بالموحدة بعد الياء. وهو الحرف الرابع]]، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: يَئِسَ يَيْئِسُ، وَلَا يُعْرَفُ فِي الْكَلَامِ [الْعَرَبِيِّ [[من ع.]]] إِلَّا هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْأَحْرُفَ مِنَ السَّالِمِ جَاءَتْ عَلَى فَعِلَ يَفْعِلُ، وَفِي وَاحِدٍ مِنْهَا اخْتِلَافٌ. وَهُوَ يَئِسَ وَ "يَئُوسٌ" عَلَى التَّكْثِيرِ كَفَخُورٍ لِلْمُبَالَغَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ﴾ أَيْ صِحَّةً وَرَخَاءً وَسَعَةً فِي الرِّزْقِ.
(بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) أَيْ بَعْدَ ضُرٍّ وَفَقْرٍ وَشِدَّةٍ.
(لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي) أَيِ الْخَطَايَا الَّتِي تَسُوءُ صَاحِبَهَا مِنَ الضُّرِّ وَالْفَقْرِ.
(إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) أَيْ يَفْرَحُ وَيَفْخَرُ بِمَا نَالَهُ مِنَ السَّعَةِ وَيَنْسَى شُكْرَ اللَّهِ عَلَيْهِ، يُقَالُ: رَجُلٌ فَاخِرٌ إِذَا افْتَخَرَ- وَفَخُورٌ لِلْمُبَالَغَةِ- قَالَ يَعْقُوبُ الْقَارِئُ: وَقَرَأَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ "لَفَرُحٌ" بِضَمِّ الرَّاءِ كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ فَطُنٌّ وَحَذُرٌ وَنَدُسُّ. وَيَجُوزُ فِي كِلْتَا اللُّغَتَيْنِ [[في ع: اللفظين.]] الْإِسْكَانُ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ وَالْكَسْرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، مَدَحَهُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى الشَّدَائِدِ. وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. قَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، أَيْ لَكِنِ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي حَالَتَيِ النِّعْمَةِ وَالْمِحْنَةِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ "وَلَئِنْ أَذَقْناهُ" أَيْ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ بِمَعْنَى النَّاسِ، وَالنَّاسُ يَشْمَلُ الْكَافِرَ وَالْمُؤْمِنَ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ وَهُوَ حَسَنٌ.
(أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.
(وَأَجْرٌ) معطوف.
(كَبِيرٌ) صفة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي